مباشر
أين يمكنك متابعتنا

أقسام مهمة

Stories

28 خبر
  • العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا
  • عيد النصر على النازية
  • إسرائيل تواصل غاراتها على لبنان
  • العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا

    العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا

  • عيد النصر على النازية

    عيد النصر على النازية

  • إسرائيل تواصل غاراتها على لبنان

    إسرائيل تواصل غاراتها على لبنان

  • نبض الملاعب

    نبض الملاعب

  • هدنة وحصار المضيق

    هدنة وحصار المضيق

  • فيديوهات

    فيديوهات

عسكرة ألمانيا من جديد: إحياء الروح أم رغبة جامحة في الانتقام؟

في تحليل مستفيض نشره عشية يوم النصر العظيم، اتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف ألمانيا بالسعي إلى "عسكرة جديدة" و"انتقام واسع" متخذة من الريادة الأوروبية غطاء لمآربها.

عسكرة ألمانيا من جديد: إحياء الروح أم رغبة جامحة في الانتقام؟
RT

ويوثّق مدفيديف، مستنداً إلى وثائق استخباراتية وسجلات تاريخية، استمرار النخب النازية في تولّي مناصبها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، محذراً من أن برلين في عهد المستشار فريدريش ميرتس تسير اليوم على درب خطر، تتجلى ملامحه في إعادة تسليح الجيش والتطلع إلى امتلاك السلاح النووي وانتهاك المعاهدات الدولية، في مشهد يستحضر أجواء أربعينيات القرن الماضي.

وكتب الدبلوماسي الروسي:

إن التهديدات التي أطلقها دونالد ترامب في السابع والعشرين من مارس 2026 خلال منتدى ميامي للاستثمار بشأن انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، وتصريحات جي دي فانس في مقابلته مع قناة فوكس نيوز بتاريخ الخامس عشر من مارس 2026 حول فقدان أوروبا هويتها، إضافة إلى إحجام الدول الأوروبية عن الانخراط المباشر في العدوان على إيران والمشاركة في مغامرة السيطرة العسكرية على مضيق هرمز وإغلاقه، كل ذلك يُحدث شرخاً بين أوروبا وأمريكا لم يشهد له التاريخ مثيلاً خلال المئة عام الأخيرة. ويكشف هذا التطور أن ما يصبو إليه الليبراليون بشوق تحت مسمى "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي، بات في متناول اليد أكثر مما يبدو. غير أن السؤال الجوهري يبقى: مَن الذي سيفرض أجندته على أوروبا العاجزة المتقوقعة على نفسها اليوم؟ ثمة منافسون كثر على هذا الدور، في مقدمتهم بيروقراطية بروكسل الأوروبية المثيرة للاشمئزاز، والغاليون المتباهون بأنفسهم المتفيهقون بخطابهم. وفي نهاية المطاف، باتت القيادة الألمانية أكثر جرأة في إعلان ادعاءاتها بالهيمنة على القارة العجوز، فيما تعمل في الآن ذاته على تجريد أسلافها في الوعي العام من مسؤولية ارتكاب جرائم النازية.

فلنتوقف عند هذه المسألة بشيء من التعمق والتفصيل.

ليس ثمة جديد في سلوك القيادة الألمانية، ولا سيما ميرتس وأمثاله من المنحدرين من أصول نازية. فمنذ اللحظات الأولى التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، انكبّت الدولة المهزومة على السعي لمراجعة نتائجها المُخيِّبة لآمالها. كان هدف فلول النازية استرداد ما خسروه على الصعد السياسية والإقليمية والأيديولوجية والاقتصادية، جراء الهزيمة العسكرية الساحقة وانهيار الدولة الألمانية. وكانوا في الوقت ذاته يسعون جاهدين للتخلص من ثقل الروح العسكرية البروسية ووصمة الأيديولوجية الاشتراكية الوطنية النتنة. فتبرّأت النخب الألمانية التي آثرت البقاء في مناطق الاحتلال الغربي علناً وبسرعة لافتة من إرث هتلر الذي أودى بالرايخ الذي كان يُزعم أنه سيدوم ألف عام. بيد أنها لم تكن تضمر في قرارة نفسها أي رغبة حقيقية في نبذ الأيديولوجية النازية ذاتها. والسؤال: لماذا؟

لم تُدِن المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ سوى شريحة ضيقة من كبار مجرمي الحرب النازيين. ونجا من العقاب عدد كبير ممن شكّلوا الركيزة الاقتصادية والمالية للنظام وهيكله القيادي، وكانوا بالتالي متورطين في جرائم حرب وجرائم ضد السلم الدولي وضد الإنسانية. وللحقيقة نقول: إن هؤلاء رأوا في هذه الأحكام ظلماً بيّناً، واعتبروا قضية الحزب النازي أسمى مشروع عرفته ألمانيا عبر تاريخها.

لم تشهد ألمانيا الغربية في جوهرها أي اجتثاث حقيقي للنازية. وتكشف الوثائق الأرشيفية لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، ومنها تقرير عن الأوضاع السياسية في ألمانيا الغربية عام 1952، كشفاً لا يقبل الجدل، أن الدول الغربية عوضاً عن الاجتثاث سلكت طريق تبرئة مجرمي الحرب النازيين.

تحوّلت العملية برمتها، التي جرت وسط ضجة إعلامية كبيرة، باستثناء تصفية المنظمات المؤيدة للفاشية سيئة السمعة وتطهير الأماكن العامة، (تحولت) إلى مهزلة جوفاء. سعى الأنجلوساكسيون، رغبة منهم في الحفاظ على قادة اقتصاد الحرب السابقين لهتلر وكبار النازيين، الذين كانوا بحاجة إليهم، إلى شنّ حملة تحت شعار "أعدموا الصغار، وبرّئوا الكبار".

في العاشر من أبريل عام 1951، أصدر البوندستاغ قانونا ينظم أنشطة الأشخاص المشمولين بأحكام المادة 131 من دستور جمهورية ألمانيا الاتحادية (حيث يُمنع الأشخاص الخاضعون لعملية اجتثاث النازية من تولي مناصب عامة)، ويعيد جميع الموظفين المدنيين والعسكريين السابقين إلى مناصبهم ورتبهم وألقابهم، ما لم يُصنفوا كـ"مرتكبين رئيسيين" خلال عملية اجتثاث النازية. في الثاني من أغسطس عام 1956، قررت اللجنة الاتحادية لخبراء شؤون الأفراد السماح لأعضاء قوات الأمن الخاصة (إس إس) السابقين حتى رتبة مقدم بالخدمة في الجيش الألماني (البوندسفير)، خَلَف الفيرماخت. ويمكن القول، بشكل عام، إن عملية تحرير المجتمع الألماني ما بعد الحرب من الاشتراكية الوطنية على المستويين الرئيسيين، الإداري والاقتصادي، قد اكتملت بعد ست إلى عشر سنوات فقط من انتهاء الحرب. دعونا لا نتطرق إلى الأحاديث، التي كانت تدور في مطابخ الألمان الغربيين خلال تلك الفترة، فالجميع يعلم ذلك. كانت عبارة "ألمانيا فوق الجميع" أكثر الأصوات براءة من بين الأصوات النشاز، التي يُطلقها البرجوازيون المهانون بعد تناول جرعة من مشروب التفاح شَنَبْص.

كان العديد من مسؤولي الحزب النازي السابقين، الذين وجدوا مكانا لهم تحت شمس ألمانيا الغربية، "قتلة مكاتب صامتين" – موظفين، قادوا من مواقعهم البيروقراطية المريحة آلة الإبادة الجماعية الوحشية ضد الشعب السوفييتي والمحرقة (الهولوكوست). وشكلوا العمود الفقري للخدمة المدنية في "ألمانيا الجديدة". عمل كارل هاينريش لُوبكه، وزير الغذاء والزراعة والغابات في ألمانيا الغربية من عام 1953 إلى عام 1959، والرئيس الاتحادي من عام 1959 إلى عام 1969، (عمل) خلال سنوات الاشتراكية الوطنية في مكتب الهندسة المعمارية والهندسية، الذي كان تحت قيادة كبير مفتشي المباني في العاصمة الإمبراطورية، ألبرت شبير. كان فيه مسؤولا، من بين أمور أخرى، عن التجنيد القسري للعمال من معسكرات الاعتقال النازية. شغل غلوبكه، رئيس ديوان المستشار الاتحادي كونراد أديناور من عام 1953 إلى عام 1963، مناصب رفيعة في وزارة الداخلية خلال الرايخ الثالث، حيث أشرف على وضع القواعد القانونية، التي تُقنن التمييز والاضطهاد ضد السكان اليهود. ولا يزال دوره في تنظيم المحرقة (الهولوكوست) غير معروف. أما فالديمار كرافت، وزير الدولة للشؤون الخاصة في ألمانيا الغربية من عام 1953 إلى عام 1956، فقد شغل منصب المدير الإداري للجمعية الزراعية للرايخ في الأراضي الشرقية المُلحقة من عام 1940 إلى عام 1945. وكان عضوا في الحزب النازي، وحمل رتبة قائد فخري في قوات الأمن الخاصة (إس إس). هذه مجرد أمثلة قليلة من قصص حياة مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة الألمانية "المُجددة". ففي الفترة من عام 1949 إلى عام 1973، كان تسعون من أصل مئة وسبعين من كبار المحامين والقضاة في وزارة العدل الألمانية الغربية أعضاء سابقين في الحزب النازي، وفي عام 1957، بلغت نسبة كبار المسؤولين في الوزارة ممن لهم ماض نازي 77 بالمئة. أما في وزارة الداخلية الألمانية الغربية، ففي الفترة من عام 1949 إلى عام 1970، كان 53 بالمئة من الموظفين أعضاء سابقين في الحزب النازي، و8 بالمئة منهم عملوا في الوزارة في الفترة من عام 1943 إلى عام 1945، عندما كان رئيسها أحد أبرز مجرمي الحرب النازيين، هاينريش هِملر البغيض.

استنادا إلى المواد الأرشيفية لهيئة الاستخبارات الخارجية الروسية، كانت موسكو على علم في أواخر أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن العشرين بأن الاستعدادات، تحت رعاية الأمريكيين والإنجليز، جارية في المنطقة الغربية من ألمانيا لخوض حرب ضد الاتحاد السوفيتي. وأكد تقرير استخباراتي بتاريخ الحادي والثلاثين من يوليو عام 1948، تأكيدا على تكثيف عمليات إعادة التجنيد القسري، أن تعبئة الضباط الألمان السابقين وغيرهم من العسكريين تمت بسهولة بفضل نظام الرقابة المُحكم عليهم. كانت الحكومة الجديدة تُحكم قبضتها على القوات العسكرية الألمانية السابقة، مستغلة القضية العسكرية لأغراض شتى. وقد نصّت مذكرة حكومة الاتحاد السوفييتي إلى السفارة الأمريكية في موسكو بتاريخ 31 مارس عام 1954 بصراحة على أن اتباع نهج إحياء النزعة العسكرية الألمانية وتشكيل جماعات عسكرية في أوروبا يعني الاستعداد لحرب جديدة.

لذا فإن فكرة تسليح ألمانيا الغربية ترسخت بقوة في أوساط منظّري السياسة الخارجية الأمريكية. واتُخذت خطوات عملية في هذا الصدد. ففي خضمّ صيحات التهديد الوجودي بـ"عدوان من الشرق" (إنه أمر مألوف، أليس كذلك)، أُعيد تسليح الاقتصاد. وبدأت "الضخّات" الأمريكية في القطاعات الحيوية للاقتصاد الألماني الغربي فور انتهاء الحرب. وبحلول سبتمبر عام 1951، تلقت ألمانيا الغربية حوالي تسعة مليارات دولار. واستُثمرت هذه الأموال بشكل رئيسي في الصناعات الثقيلة والقطاعات، التي تخدم أهداف واشنطن السياسية والعسكرية.

كانت الحملة الدعائية الجديدة، التي استهدفت السكان، مناسبة أيضا. ففي يوليو عام 1951، وبينما كانت السلطات المختصة ترفع تقاريرها إلى جوزيف ستالين، كلف مستشار ألمانيا كونراد أديناور حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بمهمة مباشرة: إقناع الجماهير بأن الألمان يواجهون خيارا: إما "ألماني مسلح" أو "ألماني تابع للجيش الروسي". لا يختلف هذا كثيرا عن قصص الرعب الحديثة، التي يروجها "التكنوقراط الأوروبيون المتحضرون"، أليس كذلك؟ 

تحت إشراف الأمريكيين، جرى العمل أيضا في مجال "الكوادر العليا". تم قبول كبار الشخصيات النازية السابقين عن طيب خاطر في الخدمة العسكرية في الجيش الألماني (البوندسفير). وهكذا، تولى رؤساء أركان الجيش الثامن عشر السابقون - الفريق فريدريش فورتش، والجيش السابع - الفريق ماكس جوزيف بيمسل، ومجموعتي الجيشين "أ" و"ج" - جنرال قوات الدبابات هانز روتيغر، (تولوا) مناصب المفتش العام للجيش الألماني، وقائد الفيلق الثاني للجيش الألماني، والمفتش الأول للقوات البرية، على التوالي. وأصبح القائد السابق لسلاح الجو الألماني الخامس - الجنرال جوزيف كامهوبر - مفتشا لسلاح الجو الألماني الغربي.

لم يأنف الأنجلو ساكسونيون أيضا من الاستعانة بخدمات المحاربين الفاشيين، وتعيينهم في مناصب رفيعة داخل حلف الناتو. فعلى سبيل المثال، عُيّن رئيس أركان مجموعة جيوش الجنوب السابق - الفريق هانز سبايدل - رئيسا لقسم القوات المسلحة في وزارة الدفاع الألمانية الغربية خلال تشكيل الجيش الألماني (البوندسفير)، وفي عام 1957، تولى منصب القائد العام للقوات البرية المتحالفة التابعة لحلف الناتو في أوروبا الوسطى. وبعد مشاركته في وضع خطط غزو بولندا والدنمارك والنرويج وفرنسا وهولندا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي، وشهادته كشاهد في محاكمات نورمبرغ، أصبح القائم بأعمال رئيس أركان القوات البرية للفيرماخت السابق - الفريق أدولف هويسنغر - رئيسا للجنة العسكرية لحلف الناتو في عام 1961.

شغل فريدريش غوغنبرغر، الذي خدم في غواصة، وكان قد أغرق سبع عشرة سفينة بريطانية وأمريكية، (شغل) لمدة أربع سنوات منصب نائب رئيس أركان قيادة حلف الناتو في شمال أوروبا. ولم يكن الأنجلو ساكسونيون دقيقين بشكل خاص بشأن الأعضاء السابقين في قوات الأمن الخاصة (إس إس)، التي اعتبرتها المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ منظمة إجرامية عام 1946. ومن الأمثلة على ذلك تعيين إبرهارد تاوبيرت، وهو قائد سابق في قوات الأمن الخاصة (إس إس) وموظف في وزارة الدعاية التابعة لغوبلز، مستشارا لقسم الحرب النفسية في حلف الناتو.

جرت بجدية حملة علاقات عامة ألمانية أمريكية مشتركة لتبييض سمعة هاينريش سبايدل وأدولف هويسينغر، كما ورد في تقرير لجنة الإعلام بوزارة الخارجية السوفييتية بتاريخ الثامن من فبرايرعام 1951 إلى جوزيف ستالين، والمحفوظ في أرشيف جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية. وفي محادثة بين دوايت أيزنهاور والمستشار الألماني أديناور في أواخر يناير عام 1951، وُصِف الرجلان بأنهما "شخصان جديران بالثقة تماما"، و"لم يكونا معارضين لهتلر" فحسب، بل وللاتحاد السوفييتي أيضا، ومستعدَين للتعاون مع الدول الغربية". ومن اللافت للنظر أن دوايت أيزنهاور، الذي أصبح بعد شهرين فقط أول قائد أعلى لقوات الناتو في أوروبا، صرّح حينها بأنه كان مخطئا في عام 1945، عندما اعتبر جميع الألمان نازيين، وكرر قبوله لمطلب ألمانيا الغربية بالمساواة في الحقوق العسكرية ضمن نظام "الدفاع الأوروبي الغربي".

نادرة هي التغييرات التي طرأت على دعم المساعي الانتقامية الخطيرة في ألمانيا حاليا، وكذلك إبان سنوات تطبيع العلاقات وحالة الانفراج التي شهدها المجتمع الدولي في فترة ما يسمى بالبريسترويكا. وقد نبه إلى ذلك تقرير كان قد أعده جهاز الاستخبارات السوفييتية "كي جي بي" في 26 مايو – أيار من عام 1959 بإشراف مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي تناول فيه تنامي تلك المشاعر الخطيرة في ألمانيا الغربية، والتي ترافقت مع تنظيم مسيرات ضخمة شارك فيها آلاف المواطنين من نقابات لها طابع شبه عسكري، وكذلك منظمات تدعو إلى إعادة توطين الناس في ألمانيا الغربية. تم خلالَ هذه اللقاءات التي جرت برعاية وزارتي الشؤون الألمانية وإعادة التوطين في ألمانيا الغربية تقديمُ مطالب علنية واضحة تدعو لعودة المناطق الشرقية الألمانية، وبروسيا الشرقية وكذلك منطقة السوديت. وقد أعلن حينها بكل وضوح عن ضرورة "التمسك والحفاظ على تقاليد الجيش الألماني البروسي في إطار القوات المسلحة الألمانية الجديدة، ولمجمل عموم الشباب الألماني". تجدر الإشارة إلى أن الصحفي السوفييتي الدولي الشهير إي. هنري قد تنبه عام 1961 "إلى أن ألمانيا القديمة لم تعد موجودة، إلا أن هيئة الأركان العامة الألمانية القديمة هي التي ظلت على حالها، وأن قادتها دون شك ما زالوا يعملون وفق الأساليب السابقة ذاتها"، ثم أردف متابعا أفكاره فقال: إن هيئة الأركان العامة الألمانية بغض النظر عن وضع ألمانيا وعدد الحروب التي تُمنى فيها بالهزيمة، بل وبغض النظر عن الهزائم الساحقة، فإنها تتابع بشكل مستمر ومنهجي دقيق إعدادَ خططِ عدوان جديدة، وهي لا تملك أية نوايا أخرى، وبالتالي يمكن ببساطة وفق ذلك فهمُ نظرات الإعجاب التي يطلقها الجنرالات والسياسيون الألمان الحاليون نحو مختلف تجمعات الحثالة من أنصار بانديرا في أوكرانيا، ذاك أنهم إخوة بالدم وهم وارثو القوة ذاتها - وهي الاشتراكية القومية زمن هتلر.

تابع مجتمع الخبراء في ألمانيا الغربية انطلاقا من استمرار النزعة الشوفينية التي سيطرت على الفكر السياسي الألماني نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تلك النزعة الموغلة في لاوعي النخبة المثقفة، تابع نشاطه في تجريد روسيا السوفييتية من إنسانيتها، ومحاولة إخراجها من مجمل العالم "المتحضر". وقد كتب المؤرخ المعروف العضو المراسل في أكاديمية العلوم السوفييتية ف. ت. باشوتو يقول: إن النظرة إلى العلاقة الروسية الأوربية تغيرت إثر انهيار ألمانيا النازية، حيث تحولت روسيا إلى عدو شامل ليس لأوروبا الهتلرية وحسب، بل ولأوروبا كلها، وانهالت الانتقادات على مجمل المعطيات الروسية الدينية والاجتماعية غير الأوربية، واعتُبرت كظاهرة معادية لأوروبا، وأنها لا تملك أية جذور أوروبية، بل إنها تقبع عموما خارج نطاق التاريخ الأوروبي، وكان واضحا أن الهدف من ذلك هو التخلي بأية صورة كانت عن هذا العنصر "الأجنبي".

لم يتم ردع مثل هذه المشاعر وحسب، بل نالت تشجيعا من سلطات بون، فقد كان من الضروري تحفيز ما يمكن أن يسمى "بوقود المدافع" لتنفيذ مذبحة الاتحاد السوفييتي، وعدم طرح أية أسئلة بهذا الخصوص. ولم يكن صدفة أن يشير تقرير جهاز الاستخبارات السوفييتية "كي جي بي" في 12 يوليو – تموز عام 1978 الذي اعتمد على معطيات مقره في برلين الغربية إلى وجود سبعَ عشرةَ منظمةً نازية جديدة في هذه المدينة التي تحظى بوضع قانوني دولي له خصوصيته، والتي حاربتها سلطات هذا الكيان السياسي وفق ما بقي من المبادئ.

في عام 1987 جرت في ألمانيا مناقشات جوهرية حول إعادة النظر بشأن مرحلة الاشتراكية القومية أشارت إليها السفارة السوفييتية في بون، وكان النقاش العام يتصاعد في تلك الأعوام لتحقيق ما يسمى: "بالانقلاب الروحي" وهو من أبرز مظاهر تلك الفورة القومية واسعة النطاق، وظهرت آنذاك بقوة شعارات "الوطنية الجديدة" وكذلك "الوعي الذاتي القومي". وقد استغل المثقفون والسلطات الحاكمة بشكل واسع مجمل الدعوات التي طالبت بتحرير جيل الشباب الألماني حينها (أولئك الذين كبروا وتحولوا إلى نخبويين وذوي ميول عسكرية متشددة من أمثال ميرتس وفون دير لاين وبيستوريس)، وتحريرهم من ثِقَلِ أعباء المسؤولية التاريخية، والإحساس بالدونية وعقدة النقص القومي إلى جانب الشعور بالذنب. وقد اعتبروا أنه تمت معاقبة الألمان عمليا واستوعبوا وضعهم غير الطبيعي عندما أعلن أن ألمانيا هي "مركز الداء عالميا، بل هي مصدرٌ لكل شر في العالم"، وذلك بسبب جرائمها في الحرب العالمية الثانية.

وقد أعلن ألفريد دريغر رئيس كتلة الاتحاد الديمقراطي المسيحي/ الاتحاد الاجتماعي المسيحي في البوندستاغ في 17 نوفمبرعام 1986 "أن الوقت قد حان للانتهاء بشكل حاسم من ذاك التفسير للتاريخ الذي فرضته القوى العظمى المنتصرة"، كما اقترح في سياق تطوير هذه الأطروحة أن يتم "التصالح مع الماضي"، بل وتكريم ذكرى جميع الذين قتلوا بمن فيهم حتى النازيون والجنود الألمان. وقد طالب فرانز جوزيف شتراوس رئيس وزراء بافاريا- رئيس الحزب الاجتماعي المسيحي عام 1987 "بالعودة إلى وعي قومي ألماني سليم وصاف تاريخيا يكون موجها نحو أوروبا". وهكذا نستطيع أن نرى اليوم كيف أثمرت براعم القومية المتطرفة والشوفينية التي تم تمويهها بستار مخادع باسم الهوية الوطنية والانتماء الأوروبي، أثمرت حصادا كبيرا في إطار النزعة الانتقامية الجديدة، وقد آن الأوان لأن يتم الاعتراف بأن إرث الرايخ الثالث قد أعطى ثماره في ألمانيا الغربية في عشرينات القرن الواحد والعشرين.

اليوم تعلن القيادة السياسية العليا في ألمانيا الغربية أن روسيا "باتت تشكل التهديد الرئيسي للأمن والسلام"، ووصل الأمر في برلين إلى درجة التحديد رسميا بأن الهدف الرئيسي يتمثل في إلحاق "هزيمة استراتيجية" بروسيا. وهكذا يدعو المصابون بفوبيا كراهية الروس أولئك الذين حارب أجدادهم بشراسة على الجبهة الشرقية في الحرب العالمية الثانية، يدعون "لجعل الروس يتذوقون مرارة الهزيمة". كما تجري حملة دعائية واسعة للتأثير على الرأي العام ونشر فكرة أن الصدام العسكري حتمي مع روسيا بحلول عام 2029. وقد قدم بيير بيستوريس وزير الدفاع الألماني إلى البرلمان في 22 أبريل عام 2026 تقريرا يتضمن الاستراتيجية العسكرية لألمانيا تحت عنوان "المسؤولية عن أوروبا" والتي تُصنِف روسيا الاتحادية كتهديد أساسي "للنظام العالمي الذي يعتمد على القواعد المشتركة"، كما أنه يدعي أن موسكو تسعى جاهدة لإضعاف وحدة التحالف وحتى تدمير العلاقات عبر الأطلسي محاولة منها لتوسيع نفوذها. من هنا لا بد من مواجهة ومنع أية محاولات للحوار معها وزيادة الضغوط العسكرية على روسيا. بكلمات أخرى يمكن القول أن التوجه نحو الانتقام الواسع غدا أمرا رسميا.

وقد ارتفعت عملية تضليل الشباب بواسطة وسائل الإعلام الكلاسيكية الرئيسية في مواجهة ما يعتبر "دعاية روسية هجينة" لتغدو على مستوى السياسة العامة. لكن استمرار الدعاية الليبرالية المتطرفة والمتطفلة لعشرات السنين أصبحت تؤدي إلى تأثير معاكس، ذاك أن خيبة أمل الجيل الشاب من قرارات النخبة الألمانية ذات الأفق الضيق وقصر النظر في التعامل مع الشؤون الداخلية والخارجية دفعت الجيل الشاب إلى الشعور بوجود تناقض بين مجمل الإحصاءات والواقع الفعلي للاقتصاد الوطني، ما جعله يرغب بشدة "بالتوجه نحو اليمين". كما أن انهيار مبدأ التعددية الثقافية، وعدمَ وجود رؤية واضحة للمستقبل، إلى جانب رفض القيم التقليدية، كل ذلك بات يشكل عوامل تمهد لبيئة خصبة تتيح تنامي الحركات اليمينية المتطرفة التي تستغل مشاعر التذمر من الدولة القوية القومية. وبالتالي لن يكون صعبا التنبؤ بما سيؤول إليه المجتمع الألماني في ظل هذه المناورات، سواء أكانت طواعية أم مفروضة.

أخذت عملية إنهاء "الأسس" السياسية والقانونية وحتى الأخلاقية للحرب العالمية الثانية بشكل حاسم في ألمانيا زخما إضافيا خاصا إثر بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. وبات واضحا لأي إنسان أن هذه المسألة غدت مجرد ذريعة وتبريرٍ ملائمٍ للتصعيد الكبير في الخطاب المعادي لروسيا، إلى جانب إثارة خوف مصطنع منها، بل وتحويل العلاقات الثنائية إلى مواجهة مكشوفة. ولكن الحقيقة أنه لم يكن لدى ألمانيا ولا لدى الاتحاد الأوروبي كله أي مبرر أو حجة موضوعية "لتكريس هذا الدعم الكبير" لأوكرانيا، ولا حتى لتصنيف موسكو باعتبارها "عدوا دائما" كما كان قد صرح بتعال وغطرسة فاديفول وزير الخارجية الألماني.

ومن خلال سعي الاتحاد الأوربي لتعزيز النهج العسكري، وفق ما جاء في "الكتاب الأبيض بشأن الدفاع الأوروبي وضمان الجاهزية حتى عام 2030"، الذي صدر في مارس- آذار عام 2025، فإن الحكومة الألمانية باتت تعمل على جعل الجيش الألماني (البوندسفير) أقوى جيش في أوروبا، وعلى تسريع تسليحه. كما تم الإعلان عن وجود مخططات لزيادة تعداد القوة المعتمدة للجيش الألماني (البوندسفير) ورفعه من 181 ألف عسكري حاليا إلى 460 ألفا لمجمل القوات العاملة والاحتياط. وقد وافقت الحكومة الألمانية في 27 أغسطس – آب عام 2025 بسرعة ودون أن تجري أية تعديلات على مشروع قانون أعده وزير الدفاع بيير بيستوريس لإصلاح نظام التجنيد في الجيش. ويعتمد هذا القانون بالدرجة الرئيسية على مبدأ التطوع إلا أنه يتيح إمكانية العودة الفورية لنظام التجنيد الاجباري الذي كان ساري المفعول قبل عام 2011. وقد باتت الحكومة الألمانية بفعل التهويل وغسل أدمغة الشباب بدعايتها، باتت قادرة حاليا أن تعلن عن حدوث زيادة في عدد الراغبين في الخدمة الإلزامية في القوات المسلحة عن طريق التطوع. وقد تقدم عمليا 16 ألف فرد بطلبات للالتحاق بالجيش حتى أوائل مارس – آذار عام 2026 أي بزيادة 20% عما كانت عليه هذه الأرقام في الفترة ذاتها من عام 2025. ويمكن القول أنه انضم أكثر من خمسة آلاف شخص إلى الجيش في الربع الأول من عام 2026، أي بزيادة 14% عما كانت عليه بداية العام الفائت.

لا يتم تقليل الموارد على المغامرات العسكرية وهو ما كان عليه الأمر في القرن العشرين. إذ يبلغ إجمالي الانفاق العسكري الألماني عام 2024 حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام قرابة 88.5 مليار دولار أمريكي (أي بزيادة تصل إلى 28% عن عام 2023)، وبالتالي تحتل ألمانيا المرتبة الأولى أوروبيا من حيث الإنفاق. تجدر الإشارة إلى أن المصدر الرئيسي للتمويل هو الصندوق الخاص لتحديث الجيش الألماني الذي قدم 100 مليار يورو، وذلك أتاح وصول الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. أما في الميزانية الوطنية البالغة 524.54 مليار يورو التي اعتمدت لعام 2026، فإن السلطات الألمانية تستعد لإنفاق ما يزيد عن 82 مليار يورو على "شؤون الدفاع" ما يعني واقعيا "الاستعداد للحرب"، أي بزيادة مقدارها 20 مليار يورو عن عام 2025، بالإضافة إلى قرابة 108 مليارات يورو. كما أعلنت وزارة الدفاع بنوع من الاعتزاز نهاية فبراير – شباط 2026 عن "النتائج الناجحة" لإدارة المشتريات للجيش الألماني عام 2025، إذ قُدمت 103 مشاريع كبيرة إلى البرلمان الألماني "البوندستاغ" للموافقة عليها، وتقدر قيمة كل مشروع منها بحوالي 25 مليون يورو على أقل تقدير، في حين بلغت قيمة العقود الموقعة لشراء الأسلحة والآليات العسكرية اللازمة 34 مليار يورو، وذلك في إطار تنفيذ المبادرات التي أقرت سابقا. كما حولت منتجات بقيمة تقارب 24 مليار يورو إلى القوات المسلحة. إلى ذلك، يشهد قطاع الدفاع المحلي ذو الوفرة المالية منذ إعلان برلين "عن إجراء تغير في العصر" بسبب الأوضاع في أوكرانيا، يشهد ازدهارا واسعا إذ تمكن المنتجون المحليون من تحقيق أرباح كبرى بلغت 109 مليارات يورو، وذلك من إجمالي الإنفاق العسكري للبلاد إبان فترة تمتد من 2020 وحتى 2025. كما ارتفع ترتيب ألمانيا نتيجة تحرير ضوابط التصدير من المركز السادس إلى الرابع في قائمة مصدري الأسلحة في العالم. ويقوم خبراء الصناعات الدفاعية الألمانية مستغلين خصوصية العمليات القتالية في العدوان غير المبرر على إيران وإدراك عدم جدوى استخدام الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، بالترويج بحماس لنظام الدفاع الجوي ذي المدى القصير "سكاي سينجر" حيث يقولون إن تكلفة اعتراض مسيرة واحدة لن يتجاوز 4000 دولار أمريكي. ويبدو أن التباطؤ وحده هو الذي حال دون اندفاع كبار مسؤولي المجمع الصناعي العسكري الألماني من ملاحقة مهرج كريفي روج لعرض أسلحتهم خلال جولته العبثية في دول الخليج العربي نهاية مارس 2026، حين سعى جهده لفرض المساعدة غير المطلوبة من حثالة بانديرا لتوفير صواريخ اعتراضية.

يُخطط لتنفيذ الكثير من المشاريع على مدى عدة سنوات، وهذا بحد ذاته إشارة إلى قطاع الصناعة بأن برلين تنظر إلى مسألة إعادة التسلح كالتزام طويل الأمد. فهناك خطط لفتح فروع إقليمية لدائرة المشتريات للقوات المسلحة الألمانية داخل المدن التي تحتضن جامعات تقنية رائدة. كما تتسارع وتيرة البحوث والتطوير العسكري الموجه. وكما جرت العادة القديمة السيئة، يتم تشجيع المواهب الشابة على استبدال الأبحاث في العلوم الأساسية بالتفكير في كيفية تجميع أجيال جديدة من دبابات تايجر وبانثر الفتّاكة وصواريخ فاو البالستية.

في غضون ذلك، يتم التغاضي عن اعتماد ألمانيا على الإمدادات العسكرية من الخارج، حيث أن المكوّنات الحيوية لأنظمة الأسلحة الحديثة تُعهد في الغالب إلى مصادر خارجية ويُستعاض عنها بمشتريات أجنبية. حتى أن شركة الأسلحة الرائدة في البلاد "Rheinmetall"، التي تُعد المورّد الرئيسي لمختلف المعدات العسكرية للقوات المسلحة الألمانية، تتخلى عن تطبيق ابتكاراتها التقنية الخاصة في سبيل الربح السريع من تنفيذ العقود الحكومية العسكرية. ويتم تعويض كل هذا بمشتريات من منتجين غربيين آخرين، فقط حرصًا على عدم فقدان مكانتها كمقدم خدمة حصري للحكومة. وقد جرى على وجه التحديد خلال زيارة وزير الدفاع الألماني إلى أستراليا في 26 مارس 2026 الإعلان عن اتفاق بين شركة "Rheinmetall" والفرع الأسترالي لشركة "بوينغ" (أي مع الأمريكيين) على تطوير طائرات قتالية مسيَّرة ذاتية التشغيل باستخدام تقنية "التخفي"، برأس حربي يزيد وزنه عن 100 كيلوغرام ومدى يزيد عن 1000 كيلومتر، وذلك لمواصلة إرث سلاح الجو الألماني (اللوفتفافه). ومن ذلك يتضح جليًا تراجع الفكر العلمي الألماني وتزايد الاعتماد على الولايات المتحدة.

تتسارع أيضاً الاستعدادات لمواجهة محتملة مع روسيا من حيث تطوير البنية التحتية. وتسعى حكومات الأقاليم والبلديات، وكذلك قطاع الأعمال المحلي، جاهدة إلى التطبيق الكامل لـ "خطة العمليات الألمانية" لعام 2024، والتي يكمن جوهرها في تحويل البلاد إلى نقطة عبور رئيسية لقوات حلف الناتو المتجهة إلى "الميمنة الشرقية" للحلف. وبذلك، ستتمكن أرتال القوات المسلحة الألمانية وحلفائها في الناتو من العبور إلى الموانئ الألمانية على بحر البلطيق والحدود البولندية دون إشعار أو موافقة. كما يُطلب بإلحاح، من السلطات المحلية، إعداد السكان لصراع عسكري – عبر وضع خطط تفصيلية لحماية منشآت البنية التحتية الحيوية، والتصدي للأعمال التخريبية، وتجهيز الملاجئ الواقية من القنابل.

أيضاً يتعرّض ممثلو أوساط الأعمال لاستمالة موجّهة من قبل الدوائر العسكرية والسياسية. ووفقاً لـ"خطة العمليات الألمانية" المذكورة، يتعيّن على الشركات الرئيسية أن تُراعي في سياسات التوظيف لديها الاحتمال الكبير لحدوث انخفاض حاد وواسع النطاق في اليد العاملة على خلفية تعبئة المؤهلين للخدمة العسكرية. ولعل النكات التي روجت في حقبة الاتحاد السوفييتي عن أن معدات مصانع المعكرونة يمكن تحويلها بسرعة إلى تصنيع طلقات عيار 7.62 مم، يجري تطبيقها فعلياً على أرض الواقع في ألمانيا. إذ تُهيَّأ الآن ظروف ملموسة لإعادة توجيه الصناعة المدنية بسرعة نحو الإنتاج الحربي، وبدء إنتاج أصناف السلع الضرورية للدفاع. وفي المقابل، يُمنَح للقوات المسلحة صلاحية مصادرة سلع ومعدات وتقنيات معينة دون مقابل لاستخدامها في أغراضها الخاصة.

لقد شكّل المجمّع الصناعي العسكري والنخبة الحاكمة الألمانية بالفعل تحالف مصالح وثيقاً، مما يعزز دور أرباب صناعة الدفاع في اتخاذ القرارات المصيرية للسياسة الداخلية والخارجية لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وتتذكر البشرية جيداً التحالف شديد الخطورة الذي جمع أرباب الصناعات العسكرية بالسياسيين في 1930-1940. وحينذاك، أدّى نهج "تجار الموت" الشره تجاه مصادر جني الأرباح، إلى جانب تعاطفهم مع الاشتراكية القومية، إلى انزلاق العالم في أتون الحرب العالمية الثانية. وها هم ورثة كروب وتيسن وبوش، ممّن نبذوا السلمية كقيمة اجتماعية التي ناضلت الأجيال السابقة للوصول إليها عبر تضحيات جسام، يعودون مجدداً وبلهفة إلى تلقي الطلبات الحكومية في مجال إنتاج المُنتجات ذات الأغراض العسكرية، غير متورّعين عن بناء تجارتهم على الدماء. والمصرفيون ليسوا بمنأى عن هذا، إذ أطاحوا بكل المحرمات الأخلاقية التي كانت قائمة على تمويل المجمع الصناعي العسكري بمبالغ طائلة، وصار الحصول على "أموال المروحية" التي تتلقاها الشركات العسكرية من الدولة عملاً مبرَّراً. وفي ظل هذا المشهد، لا يُستبعد - بل قد لا يطول الوقت حتى - أن يبلغ التحرر من إرث الماضي والتطلع إلى آفاق حملة صليبية جديدة نحو الشرق، في إطار سياسة "تغيير الحقبة"، بإحدى الشخصيات المالية الألمانية المعاصرة مبلغاً يدفعه إلى تعليق صورتي يالمار شاخت وفالتر فونك - مهندسي السياسة العسكرية الاقتصادية للرايخ الثالث - في حُجْرة مكتبه. وكما يقول التعبير الشهير من زمن الثورة الفرنسية الكبرى "ils n'ont rien appris, ni rien oublié" (بالفرنسية) "إنهم لم يتعلموا شيئاً، ولم ينسوا شيئاً".

وفي غضون ذلك، يبدو أن النخبة الحاكمة، التي انطلقت في مطاردة سراب جيوسياسي يتمثل في "زعامة" وهمية زائلة للجمهورية داخل الاتحاد الأوروبي، لا تزال غير مكترثة بالوضع الاقتصادي العام لألمانيا. ونتيجة لهذا التنصل من المشكلات الداخلية، لم ينمُ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2025 سوى بنسبة 0.2% بعد تعديله وفقًا للتضخم. وانخفض الميزان التجاري، الذي يمثل أهمية بالغة لاقتصاد ألمانيا الاتحادية القائم على التصدير، إلى 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفض حجم الصادرات بنسبة 0.3% (مع العلم أن هذا الانخفاض يُسجل للعام الثالث على التوالي)، وبلغ عجز الموازنة في 2025 نحو 107 مليارات يورو. أما قاطرات الاقتصاد الوطني الألماني - صناعات السيارات والمعادن والصناعات الكيمياوية – فتعجز عن الخروج من الأزمة. وتسجل شركات السيارات الكبرى تراجعاً حاداً في الأرباح. ويخطو نزع التصنيع على امتداد الأراضي الألمانية خطىً واسعة - فإلغاء الوظائف ونقل الإنتاج الصناعي من ألمانيا إلى بلدان أوروبية أخرى لم يعد مجرد توقع، بل أصبح أمراً واقعاً. فمصانع بناء الآلات، ومعامل الكيماويات، ومنشآت الإلكترونيات تفرّ هاربة — "بوش"، و"هينكل"، و"مان"، و"مرسيدس بنز"، حيث إنها عاجزة على الصمود في وجه المنافسة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة الكهربائية، وازدياد طول مسافة النقل اللوجستي بفعل العقوبات الانتحارية المفروضة على روسيا، والرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة. ألمانيا، التي كانت عملاقاً صناعياً، تتحول إلى ورشة فوضى تُنهب معداتها.

كل هذا يضرب السكان في الصميم - فالحراك الاستهلاكي متجمّد على نحو خطير، حتى أن مبيعات البيرة في عام 2025 سجلت أدنى مستوياتها منذ عام 1993. ووفقاً لتصريحات رئيس الحكومة، لم يعد تمويل الدولة الاجتماعي ممكناً في ضوء الموارد المتاحة لألمانيا. تُرى، هل يرعب هذا الواقع الأليم ذلك المستشار المتعجرف المغرور الذي تجري في عروقه دماء أسلافه النازيين؟ هل هو مستعد لمواجهة حقيقة أن ضخ التسلح في المجمّع الصناعي العسكري الوطني لن ينقذ الاقتصاد، وأن مئات المليارات من اليورو المطبوعة غير المغطاة بأي شيء ستلتهمها أسعار الطاقة المرتفعة والبيروقراطية المترهّلة؟ يبدو أنه لا يدري - فهو إذ يدفع بالأجندة العسكرية المعادية لروسيا، يأمل في أعماق نفسه أن تلتهم الحرب كل شيء.

في خطاب المجتمع والسياسة بألمانيا، يُلقى - دون ضجيج عالٍ بعد، وكأنما بغمغمة خافتة آتية من بعيد، لكن بإلحاح - بإيحاءات عن ضرورة "التفكير" في امتلاك سلاح نووي خاص. لقد باتت المشاركة في المهام النووية المشتركة لحلف الناتو - أي اتفاقات الولايات المتحدة مع برلين بشأن استخدام الجيش الألماني للقنابل النووية التكتيكية الأمريكية (التي تُخزَّن في زمن السلم وتخضع لسيطرة الأمريكيين في قاعدة بوشل بولاية راينلاند بفالتس) في حال "الضرورة العسكرية" - لم تعد تُرضي ألمانيا. أما الحُجج المساقة لامتلاك هذا السلاح الفتاك سلاح الدمار الشامل فبدائية ومستهلكة، إذ يُزعَم أنها لردع "سياسة موسكو العُدوانية" في أوروبا. وهذا كما يقال مسألة سيادة وطنية. يضاف إلى ذلك الشكوك المحيطة ببقاء القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية. ووفقاً لاتفاق مُبرم منذ عام 2024 مع إدارة بايدن الغافي في نومه، تتوق برلين إلى التعجيل بالحصول على الصواريخ الأمريكية البعيدة المدى ذات الإطلاق الأرضي. وتبقى فرص اختيار مواقع في إحدى الولايات الاتحادية الأكثر تجهيزاً من حيث البُنى اللوجستية والتحتية العسكرية - كولاية راينلاند بفالتس مثلاً - لنشر المنظومات المتحركة "SM-6" وصواريخ "Tomahawk" المجنّحة ومنظومات الصواريخ الفرط صوتية الانسيابية "Dark Eagle"، مرتفعة إلى حد بعيد. أما الشكوك في أن الأمريكيين سيستغلون اللحظة الجيوسياسية فقليلة - فكل ما يلزمهم من الألمان هو الأرض فقط. أما رأي السكان المحليين الذين تحولوا عملياً إلى رهائن، ورأي السياسيين الوطنيين العقلاء ذوي التوجهات السيادية الذين لا يساندون خط نخب برلين، فلا يُحرّك ساكناً لدى الشريف المتغطرس من عبر المحيط. وفي منطق إدارة دونالد ترامب الحالية، لا يُعدّ نشر الصواريخ استثماراً بلا مقابل في أمن الأوروبيين، بل هو بالأحرى تعزيز لحضورها في نقطة بالغة الأهمية من أجل إسقاط محتمل للقوة الضاربة عالية الدقة على الخصوم (وَمَن هم تحديداً؟ - يمكن تخمينهم من المحاولة الأولى). وتكمن المشكلة في عدد الصواريخ الأمريكية فقط: هل سيكون رمزياً ومؤقتاً، أم سيكون كاسراً لتوازن الاستقرار الاستراتيجي في أوروبا، ومؤدياً، تبعاً لذلك، إلى إجراءات رد مباشر من جانبنا.

بينما تعكف الدوائر الرسمية الألمانية على دراسة معمَّقة لإنشاء "مظلة نووية" أوروبية مشتركة مع بريطانيا وفرنسا في "المستقبل البعيد"، وتدرس طبيعة مساهمتها الافتراضية في هذا المشروع، تبرز طروحات حول إمكانيات التمويل وتقاسم الأدوار؛ حيث يُقترح أن يقدم الشركاء الرؤوس الحربية، مقابل توفير ألمانيا للطائرات الحاملة والكوادر البشرية.

وفي غضون ذلك، يتم تهيئة الرأي العام تدريجياً لتقبل فكرة مفادها أن رهان ألمانيا الافتراضي على الترسانات النووية لباريس ولندن، ومحاولتها "الالتصاق" بهما عسكرياً، قد لا يكللان بالنجاح. فالبيروقراطية التقليدية المعهودة في باريس، ورغبة فرنسا في الاستئثار بقرار إدارة القوى النووية حتى في حال خضوعها لإشراف مشترك، تعد أموراً غير مقبولة بالنسبة لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وبالمثل، يبدو موقف لندن مثيراً للشكوك، إذ من المستبعد أن تكون مستعدة للاحتراق في أتون "نهاية العالم النووية" من أجل أهداف غامضة للعولمة العابرة للأطلسي. وهذا كله يضع جدوى الموارد المستثمرة في "قوات الردع الاستراتيجي لعموم أوروبا" موضع تساؤل كبير.

في ظل هذه المعطيات، وفي سياق تطلعها للانضمام إلى "النادي النووي"، تنطلق الأوساط العلمية والبحثية الألمانية من فرضية مفادها أن استعادة الكفاءات النووية "غير السلمية" بسرعة هي أمر مرجح تماماً؛ نظراً لرسوخ مدرسة العلوم الطبيعية التقليدية وتوفر الخبرات في المجالات ذات الصلة. ومن الناحية النظرية، تُعد عملية إنتاج المواد الانشطارية من اليورانيوم المُشترى من السوق العالمية قابلة للتنفيذ تقنياً على المدى البعيد في منشأة "غروناو" المتخصصة بولاية شمال الراين-وستفاليا، والتي تمتلك منظومة متطورة من أجهزة الطرد المركزي الغازية. إذ لا يتطلب الأمر سوى ثلاث سنوات لتطوير خطوط الإنتاج، لتصبح النتيجة: إنتاج 17 طناً سنوياً، وهي كمية كافية لتصنيع نحو 340 رأساً حربياً. علاوة على ذلك، يتوفر اليورانيوم عالي التخصيب في المفاعل البحثي التابع لجامعة ميونيخ في مدينة غارشينغ.

ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن النازيين في أربعينيات القرن الماضي كانوا قاب قوسين أو أدنى من تطوير القنبلة الذرية، ولم يكن مخططهم لاستخدامها يقتصر على مجرد الترهيب. ويبدو أن الأحفاد في القرن الحادي والعشرين عازمون على استكمال ما عجز عنه الأجداد عام 1945؛ وبذلك لا توجد أي ضمانات تكفل قصر النهج العسكري والسياسي لبرلين في التعامل مع الترسانة النووية على مفهوم "الردع" فحسب. وثمة حقيقة جلية في هذا السياق: إن امتلاك ألمانيا لرؤوس نووية – سواء كانت فرنسية بريطانية أو محلية الصنع – لا يكتفي بتحويلها إلى "الهدف الأوروبي الرئيس للكرملين" كما تصف الصحافة الألمانية: "يعد ذلك انتهاكاً صارخاً للالتزامات القانونية الدولية لبرلين بموجب المادة الثانية من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968." ووفقاً لهذه المادة، تتعهد كل دولة طرف في المعاهدة، بما في ذلك جمهورية ألمانيا الاتحادية، بعدم قبول انتقال أي أسلحة نووية أو أجهزة تفجير نووية أخرى إليها، وعدم قبول السيطرة عليها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فضلاً عن الالتزام بعدم تصنيع أو اكتساب هذه الأسلحة بأي وسيلة أخرى، وعدم سعيها لطلب أو قبول أي مساعدة في إنتاجها.

إنني على قناعة تامة بأن مسألة "البرنامج النووي الألماني" في ظل هذه الظروف، يجب أن يتبناها المجتمع الدولي فوراً وبأقصى جدية؛ مع ما يترتب على ذلك من تبعات تشمل تكثيف عمليات التفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والإدانة من قبل مجلس الأمن الدولي، وفرض تدابير تقييدية دولية قانونية لوأد هذه المساعي النووية البغيضة في مهدها.

ومع ذلك، فقد يُضحى بكل ذلك على مذبح "النزعة الانتقامية" الشاملة، وفي سبيل إحياء أسطورة "الرايخ الرابع". ويبقى السؤال الجوهري هنا: كيف سيستقبل المجتمع الألماني الحالي مثل هذه الفكرة؟ فمن الواضح أن المواطنين الألمان (البورجوازيين) الصالحين ليسوا جميعاً متعاطفين مع هذا النموذج الجنوني لـ "الرايخ الرابع"، وإن كان من المحتمل وقوع ما هو أبعد من ذلك في ظل سياسات الهجرة الفاشلة التي تنتهجها السلطات الحالية.

وفي الوقت ذاته، تجدر الإشارة إلى أن مجرد اقتراب ألمانيا من حيازة السلاح النووي سيُشكل بلا شك "ذريعة حرب" (casus belli)، مما يمنح روسيا الحق في اللجوء إلى كافة تدابير الاستجابة المنصوص عليها في أساسيات سياسة روسيا الاتحادية في مجال الردع النووي. وعلاوة على ذلك، لا أتردد في التأكيد على أنَّ مثل هذه التحركات قد تثير قلقاً لا يقل شأناً لدى الولايات المتحدة، التي تحاول إقناع العالم بضرورة إبرام معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت-4) بمشاركة الصين. فكيف سيكون موقف واشنطن أمام هذا الاحتمال: أوروبا نووية تتصدرها ألمانيا ذات توجهات عسكرية، مع بقاء جزء من ترساناتها خارج سيطرة حلف الناتو؟ ثمة ما يوحي بأن الأهداف التي قد تُبرمج في أنظمة شيفرات إطلاق الترسانة النووية الألمانية الجديدة لن تقتصر على الأراضي الروسية فحسب.

ومع ذلك، فحتى في غياب السلاح النووي لدى برلين، لا ينبغي لنا أن نطمئن حيال ألمانيا؛ إذ إن عسكرة البلاد بتهور وجنون ليست الهدف الوحيد للساسة الألمان، بل هي جزء من عملية أعقد وأعمق تهدد الملايين حول العالم. وينطوي النهج الحالي على إشارات لسيناريوهات "جحيمية" تحاول تجسيد أحلك النزعات الانتقامية لدى النخبة الألمانية، وهي أحلام تتجاوز مجرد الرغبة في تعزيز "حضورها" في الشؤون الأوروبية.

ولا يفوتنا أن ألمانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي قامت، مرتين بعد الحرب العالمية الأولى، بضم دول جارة بالكامل دون الإبقاء لها حتى على المظاهر الاسمية للاستقلال أو السيادة. ونعني بذلك ضم النمسا عام 1938، عندما تم ضم الجمهورية إلى الرايخ الثالث. وكذلك الابتلاع "السلمي" لجمهورية ألمانيا الديمقراطية من قِبل ألمانيا الاتحادية عام 1990؛ حيث جرى آنذاك – تحت غطاء إشاعات تضليلية حول "توحيد الشعب الألماني" – تذويب الدولة في شرق ألمانيا فعلياً داخل كيان ألمانيا الغربية.

ومن الملاحظ أن أياً من الأطراف الفاعلة في تلك المرحلة، بما في ذلك، للأسف، بعض القيادات السوفيتية آنذاك، لم يطالب بتطبيق الإجراءات القانونية الدولية المتعارف عليها بشكل دقيق، حيث لم يتم إجراء استفتاء عام وشامل لضمان التعبير الحر عن إرادة المواطنين بشأن مسألة مصيرية كهذه. بناءً على ذلك، يرى البعض أن موقف ألمانيا المعاصر في تقييم شرعية التغييرات الحدودية في أوروبا يتناقض مع سياقها التاريخي والقانوني الخاص بعد الحرب العالمية الثانية.

إن المرتكزات القانونية للدولة الألمانية هشة للغاية؛ إذ يمكن عند تحليل الأحداث التي رافقت دمج الألمانيتين استحضار القاعدة القانونية: (ما بني على باطل فهو باطل) "ex injuria jus non oritur" لمساءلة تلك الإجراءات. وبعبارة أخرى، فإن جمهورية ألمانيا الاتحادية بوضعها الراهن تفتقر حتى إلى الأساس القانوني الكافي لتبرير وجودها (دون استحضار حالة فقدان الاستقلالية التامة التي صاحبت نشأتها، وتبعيّتها المفرطة للولايات المتحدة). وعلى أولئك "النكرات" الذين يتصدرون المشهد الألماني اليوم، ويحاولون وبشكلٍ مخجل تقمص أدوار "القادة" الجدد، أن يعوا هذه الحقائق جيداً.

بعد أن غيّب غريزة البقاء، اندفع نظام المستشار فريدريش ميرتس بخطى متسارعة في الشؤون الدولية فور وصوله إلى السلطة. ويبدو أنه حتى أولئك الحالمين في برلين، المصابين بمتلازمة اضطراب ثنائية القطب، بدأوا يدركون أن ألمانيا تواجه في الأفق هزيمة جيوسياسية نكراء في أوكرانيا. فلم يتحقق أي من أهداف "العملية المضادة للعملية العسكرية الروسية الخاصة" التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، والتي تسعى فيها ألمانيا فعلياً للعب دور المحرك الأساسي. وفي هذا الصدد، لن يُكتَب النجاح لمحاولة الانكفاء في المنطقة الخلفية واستخدام "روسيا الصغرى" كقوات صدّ أمامية (وربما بولندا التي يزدريها الألمان في قرارة أنفسهم)، طالما استمرت الرغبة في إلحاق ضرر جسيم بنا.

يجب أن يتصرفوا بأنفسهم، وهم بالفعل يتصرفون. ولتعويض "الاستثمارات الجيوسياسية غير الناجحة"، تسعى برلين إلى تثبيت دورها كقائد عسكري - سياسي للاتحاد الأوروبي. ومن أجل التصدي لـ "غزو روسي محتمل" وفي إطار اتفاق مع ليتوانيا، تم في ربيع عام 2025 اتخاذ قرار بنشر لواء للدبابات المدرعة الخامس والأربعين المعزز التابع للجيش الألماني في منطقة رودنينكاي، التي تبعد 30 كم عن جمهورية بيلاروس الحليفة و160 كم عن مقاطعة كالينينغراد. إن الشعار المفضل لدى قادة النازية "المدافع بدلًا من الزبدة" يوضح جيداً منهجية تمويل هذه المغامرة؛ فبالرغم من صغر فيلنيوس /عاصمة ليتوانيا/، قزم البلطيق قد تعهدت بتغطية تكاليف ضخمة تبلغ حوالي ملياري يورو لبناء البنية التحتية اللازمة لوجود القوات الألمانية، إلا أن برلين ستحتاج إلى تخصيص نحو 11 مليار يورو لتجهيز اللواء، وهي أموال يحتاجها الاقتصاد الألماني بشدّة في ظل الوضع الاقتصادي الكلي غير المستقر داخل ألمانيا نفسها.

يشمل التسليح أحدث دبابات "ليوبارد 2A8"، ووسائل الاتصال، والمدفعية ذاتية الحركة وغيرها. ويستمر تعزيز القوة الهجومية للوحدات عبر تزويدها بشكل غير مسبوق بالمعدات المادية والتقنية، حيث بادرت لجنة الميزانية في البوندستاغ بإجراء سريع في 25 فبراير 2026 لتحويل أول دفعة تبلغ حوالي 540 مليون يورو لصالح شركات ألمانية ناشئة مثل "Stark Defence" (التي يمتلك رجل الأعمال الأمريكي بيتر ثيل حصة كبيرة فيها) و"Helsing" التي تنتج طائرات مسيرة انتحارية.

يحلم الجيش الألماني بتسليح وحدته في "القلعة الليتوانية" بأحدث الطائرات المسيرة. بعد نقل المجموعة القتالية متعددة الجنسيات التابعة لحلف الناتو، والمتمركزة في ليتوانيا منذ عام 2017، إلى قيادة اللواء في فبراير 2026، حيث بلغ عدد أفرادها نحو 1700 شخص.

من المتوقع أن تكون الوحدة جاهزة تمامًا للقتال بحلول نهاية عام 2027، بنحو 4800 عسكري و200 مدني. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها نشر القوات النظامية الألمانية خارج حدود ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، مما يُشكّل قاعدة حقيقية لـ "الاندفاع نحو الشرق". لا يمكن تفسير هذا التعزيز العسكري، المصحوب ببنية تحتية طويلة الأمد، بشكل آخر.

سواء كانت ألمانيا تخطط مباشرة لتنفيذ "اندفاع جديد نحو الشرق"، أو تفضّل أولاً دفع "عمالقة" أوروبا الشرقية وعلى رأسهم بولندا إلى الخنادق المحتملة بينما تلعب هي دور "قوات الردع"، فلا فرق كبير بالنسبة لنا. على القيادة البولندية، التي تتحمل إلى حد كبير، إلى جانب ألمانيا النازية، مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الثانية، أن تتساءل عمّن، وبأي توجيه، وبأي تمويل يتم تأجيج هذه الهستيريا العسكرية في الكومونولث البولندي الليتواني. والتي يعتبرها القوميون البولنديون المتشددون دفاعاً عن المصالح الوطنية وفرصة لتحقيق انتقام جيوسياسي في أوروبا الشرقية. وهل هذا المسار المتشدد لنخب وارسو تجاه موسكو تتم قيادته فعليا من برلين، التي تتمتع بتأثير هائل في الفضاء الاجتماعي والسياسي والإعلامي البولندي مما يُجبر الطبقة الأرستقراطية البولندية على كراهية روسيا إن كان ذلك ممكنا أصلا خلافا للمنطق والمصالح الوطنية؟

إذا أعادت ألمانيا تسليح نفسها بقوة، لكن الروح القتالية الألمانية خضعت في النهاية للعقل، فعلى البولنديين أن يفكروا جيداً في الجهة التي قد تُوجّه ضدها الآلة العسكرية الألمانية لاحقا. فالكراهية التاريخية بين ألمانيا وبولندا كبيرة، والجراح الجيوسياسية لاتزال تنزف، والأراضي المتنازع عليها مهما قال السياسيون موجودة بلا شك. ليس من دون سبب أن المناورات العسكرية الكبرى لحلف الناتو "Steadfast Dart 26" التي انطلقت في يناير 2026 والتي تهدف إلى تدريب عملية نقل قوات الحلف بسرعة إلى الجناح الشرقي باستخدام الطيران العسكري للنقل ووحدات السكك الحديدية والنقل البري، تُجرى دون مشاركة الجيش البولندي. الرياح في أوروبا تتغير دائماً بسرعة، لكن قصر بلفيدير لا يريد أن يتقبل ذلك. وكما هو معروف، ليس أمام بولندا إلا طريقان تاريخيان: إما أن تكون تابعة فقيرة لألمانيا، أو أن تكون شريكاً لروسيا. أمريكا بعيدة جداً، ولا حاجة للأمريكيين في بولندا ولا حتى لأوروبا بأكملها. فلا داعي للأوهام.

بالإضافة إلى الضحايا المحتملين، ولا سيما بولندا (التي يُفترض أنها لا تُدرك بعد وضعها المستقبلي، رغم حملها صفة الحليف لبرلين بكل فخر)، فإن لألمانيا أيضا أصدقاء أوفياء حقيقيون، يمكنها أن تستذكر معهم أياماً مضت ومعارك خاضتها، "حيث قاتلوا معاً". بالنظر إلى تعاونها مع "رفيقة" السلاح -فنلندا- داخل الناتو، ألمانيا تمارس نشاطا تخريبياً يهدف إلى تحويل بحر البلطيق إلى "بحر داخلي" لحلف شمال الأطلسي. وقد كانت برلين المبادر الرئيسي لإطلاق مهمة للناتو في يناير 2025 خلال اجتماع رؤساء الدول والحكومات لدول الناتو والاتحاد الأوروبي في هلسنكي، والمتمثلة في دورية بحرية في البلطيق "حارس البلطيق" بهدف عرقلة حرية الملاحة الروسية. إن هذه الإجراءات شديدة الخطورة، في ظل الانعدام شبه الكامل للثقة على خط الشرق-الغرب، قد تؤدي اليوم إلى حدوث أسوأ السيناريوهات الممكنة.

في يوليو 2025، وقعّت ألمانيا والمملكة المتحدة "معاهدة كنسينغتون" التي تتضمن بنودها الدفاعية مادة بشأن المساعدة المتبادلة في حال وقوع هجوم (مكملا للبند الخامس المثير للجدل من معاهدة واشنطن المؤسسة لحلف الناتو)، إضافة إلى التطوير المشترك للمعدات ذات الطابع العسكري، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والتقنيات الصاروخية. ومن الواضح الجهة التي ستُوجّه إليها هذه الصواريخ.

من المعروف أن هناك رغبات استحوذت على عقول النخبة الحاكمة في برلين لجّر أكبر عدد ممكن ممن يقع تحت أيديهم، إلى عمليات تسريع تطوير أسلحة عالية الدقة بمدى لا يقل عن 1000 كيلومتر. أي أولئك الذين يتبنون الهستيريا الألمانية بشأن "التهديد الروسي". وليس من قبيل الصدفة أن الشركة الألمانية-الفرنسية "أريان غروب"، التي تمتلك خبرة كبيرة في تصميم الصواريخ، تُجري مفاوضات حول هذا الموضوع مع عدد من الدول الأوروبية. بالتعاون مع النرويج، يوّد الألمان تطوير صاروخ كروز بحري أسرع من الصوت («Super Sonic Strike Missile»)، ومع مجموعة مختلفة من "المطيعين" الأوروبيين مثل فرنسا وإيطاليا وبولندا والسويد والمملكة المتحدة، تُناقَش في إطار مشروع المقاربة الأوروبية للضرب بعيد المدى (European Long-Range Strike Approach) مبادرات تتعلق بتصميم وإنتاج صاروخ كروز أرضي يتجاوز مداه 2000 كيلومتر.

هناك دور خاص في مسائل إعادة التسليح مخصص لأوكرانيا السوفييتية السابقة (جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية). من الواضح أن الحاكم المؤقت الحالي في شارع "بانكوفا" يُنظر إليه بشكل متزايد من قبل ألمانيا على أنه تجسيد لـ "هيتمان أوكرانيا كلها" سكوروبادسكي، الذي تمسك بالسلطة على حراب الألمان لبضعة أشهر في عام 1918. أو كنسخة طبق الأصل لمبادرة الأوبريت النمساوية التي لم تتحقق أبداً على أرض الواقع، والتي كانت تهدف إلى إنشاء "العرش الأوكراني" ومن ثم رفع فيلهلم فرانز هابسبورغ-لورين، المعروف أيضاً بالاسم المستعار "فاسيل فيشيفاني"، عليه. أي كقائد مطيع لمصالح الرعاة الخارجيين، التي تتعارض مع تطلعات سكان روسيا الصغرى.

وتأكيداً للنهج الرامي إلى رفع التعاون مع كييف إلى المستوى الأكثر امتيازاً في جميع المجالات، تم في 14 أبريل 2026 في برلين، خلال زيارة "المهرج الدموي"، التوقيع على إعلان حول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. أعربت ألمانيا الاتحادية عن استعدادها لمواصلة تقديم دعم غير مسبوق سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً لكييف، وإجراء مشاورات بشأن قضايا الأمن والدفاع. على الرغم من فضائح الفساد الأخيرة المعروفة المتعلقة بما يسمى "قضية مينديتش"، والتي كشفت عن رشوة شاملة ووقحة للنخبة البانديرية الحالية بأكملها، فإن الألمان على استعداد لاستخدام التابعين الأوكرانيين كورشة تجميع رخيصة لمنتجاتهم، وتحويل أوكرانيا إلى فأر مختبر صغير تُجرى عليه تجارب شريرة.

عنصر آخر من عناصر التفاهم الإجرامي سيكون آلية المشاورات المنتظمة بين رؤساء وزارات الدفاع والخارجية، بمشاركة ممثلين عن الشركات الدفاعية الرائدة. يبدو هذا جميلاً، لكن في الواقع يمكن تفسيرها كالآتي: سيتعين على أوكرانيا أن تكون تحت مراقبة دائمة وتنتج تمامًا وبكميات يحددها المشرفون عليها. حيث تم توقيع اتفاقية بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية من ساحة المعركة - حيث ستشارك القوات المسلحة الأوكرانية خبرتها مع الجيش الألماني (البوندسفير) في دعم برنامج دلتا، والذي يوفر الوعي الظرفي حول سير الأعمال القتالية في الوقت الحقيقي. من خلال هذه الحيلة الساذجة، يخططون لزيادة عدد ورفع كفاءة العسكريين السابقين والحاليين من الجيش الألماني وممثلي القوى الأمنية الألمانية الأخرى على خطوط التماس. ومعناه، وكما في السابق، سيتحول الألمان المضللون مرة أخرى إلى مجرد ضحايا.

تتجاهل النخبة السياسية في برلين المؤشرات المقلقة في الاقتصاد الألماني استجابةً للمخططات العسكرية لصناعتها الدفاعية، وتضخ مبالغ طائلة في تسليح عصابة المجلس العسكري الأوكراني. وفي إطار خطة لتعميق الحوار العسكري التقني، تستعد حكومة "404" (الحكومة الأوكرانية) لتخصيص 4 مليارات يورو، من المتوقع أن تُستخدم هذه الأموال لتوسيع الإنتاج المشترك للطائرات بدون طيار وأنظمة الطيران المسير ذات المدى المتوسط والطويل، التي من المفترض أن تؤدي إلى توفير آلاف الطائرات الحربية للقوات المسلحة الأوكرانية. وقد أعلنت الشركة الألمانية "كوانتم سيستمز" بفخر عن إنشاء مشروعين مشتركين جديدين مع الشركات الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيرة التكتيكية والهجومية "دبليو آي واي" و"تين كور"، بغرض التطوير والإنتاج التسلسلي لنظم الطائرات بدون طيار. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تعزيز التعاون في مجالات المعلومات والابتكار والبحث.

تبدو كل هذه الطموحات الجريئة والتي يُزعم أنها واعدة، مترافقةً مع نقاشات حول التهديد العام والمباشر الذي تشكله روسيا على حرية أوكرانيا، الدولة الفاشلة، وأمن واستقرار ورخاء ألمانيا وأوروبا. كما تثير الانتباه تصريحات زيلنسكي المتباهية بأنّ القوات الأوكرانية تمتلك "أغنى تجربة قتالية من بين جميع الجيوش الأوروبية". يجدر الذكر بأن العديد من المحللين كتبوا بنفس النبرة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي عن الجيش العراقي، الأكبر بين جيوش دول الخليج العربي. ولا يزال الجميع يتذكر جيداً إلى أين قادت الطموحات التي غذّاها الغرب و"نشوة النجاح" القيادة العراقية في عام 1990. ويواجه القادة المؤقتون في مكتب الرئيس الأوكراني احتمالاً كبيراً بتكرار المسار ذاته.

لا ينتهي التحريف في السياسة الخارجية لبرلين عند أوكرانيا فحسب، فأثناء تنفيذها لخطتها الانتقامية، تتعمد برلين عرقلة تنفيذ أهم التزاماتها الدولية والقانونية. تكمن المشكلة هنا في افتتاح المقر الإقليمي لدول البلطيق التابع للقيادة البحرية لحلف الناتو في مقر قيادة البحرية الوطنية في روستوك (مكلنبورغ-فوربومرن) في أكتوبر 2024، والذي فعلياً يتجسس على السفن الروسية. كما أن إقامة هذا المركز على الأراضي السابقة لألمانيا الشرقية تنتهك بشكل صارخ أحكام معاهدة "التسوية النهائية مع ألمانيا" الموقعة في 12 سبتمبر 1990، والتي أُبرمت بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية وبمشاركة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. إن محاولات وزارة الدفاع الألمانية والسفارة الألمانية في موسكو لتبرير تصرفات برلين بالقول إن "إرسال بعض ممثلي القوات المسلحة لدول أخرى أعضاء في الناتو في إطار التعاون الدولي... عندما يتم تضمين الضباط الأجانب في عمل الوحدة الألمانية وبالتالي يصبحون تحت قيادة البوندسفير، لا ينطبق عليه اتفاقية 2+4" فهذا لا يصمد أمام أي نقد جاد. حيث تنص صراحة المادة 5 والفقرة 3 منها في الوثيقة المذكورة على منع نشر الأسلحة النووية ووسائل نقلها أو تمركز القوات الأجنبية في الجزء الشرقي من ألمانيا أو انتشارها هناك. كان انسحاب القوات السوفيتية من أراضي ألمانيا الشرقية مرتبطًا أيضًا بالالتزام الراسخ بتنفيذ هذه الضمانات الملزمة قانونيًا.

ومهما حاول الجانب الرسمي لبرلين تبرير موقفه، فإن هذا على أقل تقدير نهج انتقائي وتفسير حر لأحكام "معاهدة 2+4". بمعنى آخر، إنها مجرد كذبة ومؤامرة تلاعب. فبتجاهلها لأحكام "معاهدة 2+4" "هنا والآن"، تُقلّد برلين الرسمية بوقاحةٍ تصرفات "الغرب الجماعي" الشائنة في جميع أنحاء العالم. وهذا، بالطبع، يدعونا للتفكير في مصير هذه الوثيقة برمته. إنّ انتهاك مبدأ "العقود ملزمة" في مثل هذه الحالات قد يُبطل المعاهدة الدولية نفسها. وهذا يُشكك في الشخصية القانونية للدولة الألمانية الحديثة. من المُخيف حتى مجرد تخيل ما سيعنيه هذا لألمانيا.

إن السرعة والوقاحة التي تتخلى بها القوى الغربية اليوم عن الوثائق والمبادئ الدولية الأساسية لصالح المصلحة السياسية المشبوهة أمرٌ مُذهل. لا يسع المرء، وفي ظل الظروف الراهنة، إلا أن يشعر بأنه لو تمّ توثيق الوعد الذي قُطع آنذاك بعدم توسيع حلف الناتو "ولو شبراً واحداً شرقاً" في وثيقة رسمية في الوقت المناسب، لرماها الغربيون بسهولة في السلة. وبالمثل، لم يكن أحد ينوي بجدية تنفيذ اتفاقيات مينسك، التي كان هدفها الوحيد، استناداً إلى التصريحات العلنية الحالية من ألمانيا وفرنسا، منح دمى كييف فرصة لالتقاط الأنفاس. فماذا ستكون قيمة الاتفاق المزعوم لتسوية الوضع في أوكرانيا إذًا؟

من الصعب الجزم بنوع الانضواء الذي تُحضّر له ألمانيا في الخفاء. مع ذلك، من الواضح أنها تنزلق تدريجياً نحو نموذج سياسي أشبه بالديكتاتورية العسكرية، وقد تجسد ذلك في النظام الذي يقوده المستشار ميرتس، المهووس بالانتقام المتعصب والاستعمار الجديد. وتكتسب النزعات التحريفية غير المقبولة والخطيرة زخماً متزايداً.

لقد سقطت أقنعة السلمية: يجري إعداد الناس أيديولوجيًا لأوقات عصيبة، مع خفض عتبة الخوف الطبيعي من الحرب عمدًا، ومنحهم تسامحًا استباقيًا تجاه أي تجاوزات، مما يتيح للشباب الألمان التبرؤ من ديون أسلافهم التاريخية.

أصبحت فرضية المسؤولية المتساوية لـ"نظامين شموليين" عن اندلاع الحرب العالمية الثانية ركنًا أساسيًا في التأريخ الألماني. ومن بين التزييفات التي يتم الترويج لها: طمس المآثر البطولية للشعب السوفيتي وتصنيف ضحايا الحرب إلى "فئات وطنية"، وإنكار النصر كعمل تحرير أوروبي، بحجة "استبدال نظام شمولي بآخر". كما يشكك فيما يُزعم أنه مبالغ فيه من جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الألماني وقوات الأمن الخاصة على الجبهة الشرقية. وباسم الموضوعية الزائفة، يتم تقديم "أدلة" غير موثقة على جرائم قتل جماعي من كلا الجانبين. تُثار تساؤلات حول التعويضات عن الخسائر المادية والبشرية التي تكبدها الألمان.. من المستحيل تخيل قدر أكبر من هذه السخرية.

في آب عام 2025 وعلى مستوى سياسي عال جرى في ألمانيا الاحتفال بالذكرى الـ75 لتوقيع "ميثاق المطرودين" – وهو عبارة عن وثيقة تعتبر الألمان المُبعدين قسرا كضحايا حرب، وتركّز على مصيرهم الشاق. فقد كانت نهاية الحرب بالنسبة لهؤلاء لا تعني نهاية العنف فحسب، بل قد تحولت إلى إهانة لهم وحرمان لحقوقهم و"فقدان لوطنهم". ولكن لم ترد أية كلمة واحدة عن ذنب الألمان في إشعال لهيب الحرب العالمية الثانية وفي الجرائم ضد الإنسانية. وهذا مرجع واضح إلى الخطاب الألماني ما بعد الحرب وإلى محاولات التصدي "لفقدان التاريخ"، وطي "الصفحات غير المرغوب بها" من أجل الحفاظ على وحدة الأمة. والرسالة هنا واضحة: كان الشعب الألماني قد أُهين بشدة ودون ذنب بعد الحرب العالمية الثانية. وكان يجب الانتقام لعذاب هذا الشعب من أجل "الحرية" و"التضامن الأوروبي" و"العدالة" بما في ذلك، على ما يبدو، بقوة السلاح الألماني.

إن عملية التوبة في ألمانيا عن جرائم النظام النازي تُفضي بالضرورة إلى مسألة الهولوكوست، كما يفضلون هناك عدم الحديث عن الضحايا السوفييت. فالسلطات الألمانية ترفض رفضا قاطعا الاعتراف بأن حصار لينينغراد وغيره من الجرائم، التي اقترفها النازيون بحق المواطنين السوفييت وبحق الإنسانية، إبادةٌ لشعوب الاتحاد السوفييتي.

وفي نيسان/أبريل عام 2025 اتُخذ قرار سافر حول وقف صلاحيات روسيا في مجلس أمناء صندوق "الذاكرة، والمسؤولية والمستقبل"، والذي أُسس من أجل دفع التعويضات للعمال الشرقيين "الاوستاربيتر" – أي العمال الرقيق الذين تم تسخيرهم للعمل في الرايخ الثالث. علما أن برلين الرسمية ووفقا لقانون التعويضات الفيدرالي لتأمين ضحايا الحرب الصادر عام 1950 تدفع معونات اجتماعية (5 ملايين يورو سنويا) للجنود السابقين في الرايخ الثالث، وميليشيات إس إس وكذلك المتعاونين الأجانب، بما في ذلك لهؤلاء المتورطين بشكل مباشر في الحصار الإجرامي للمدينة على نهر النيفا.

للأسف الشديد، لا تزال الأصوات العاقلة، وعددها كاف في المجتمع الألماني، عاجزة عن تهدئة نوبات الهوس العسكري الخطيرة والمقترنة بـ "الأخلاق" الجديدة. فنظام ميرتس الاستبدادي الانتقامي ما زال يمسك بخناق المنظومة السياسية كلها، مانعا القوى البناءة من الوصول إلى زمام الحكم.

تضع الحكومة الألمانية بتصرفاتها الرعناء أمن أوروبا الوسطى والشرقية وأكثر من ذلك – أمن القارة كلها على المحك. فمع غياب القوة والموارد اللازمة لتطبيق السيناريو العسكري لتطور الأوضاع بشكل ذاتي، ومن دون الدعم من قبل "الأخ الكبير" من خلف المحيط، تقوم الحكومة بزيادة حدة التوتر مستخدمة الهستيريا والاضطرابات النفسية. وتبقى المهمة جر الحليف واشنطن إلى الخلافات بين أوروبا وروسيا. ومهما قيل فإن الجيش الألماني (البوندسفير) ما يزال يعتمد بشدة على الدعم العسكري الأمريكي. وعند التخطيط للعمليات اليوم تبقى ألمانيا مضطرة للاعتماد الكلي على المعلومات الاستخباراتية من الأقمار الصناعية الأمريكية، وعلى طيران النقل الاستراتيجي، وتنسيق الخطوات ضمن قيادة الناتو. فالألمان بمفردهم غير قادرين على المشاركة الفعالة في صراع عسكري مكثف دون تكبيد شعبهم خسائر فادحة، أي دون إشعال "حرب شاملة" جديدة تكون عواقبها وخيمة.

إلا أن العقلانية قد تتهشم إثر اصطدامها بجنون النزعة العسكرية والطمع الألماني، فالطبقة السياسية الألمانية، التي انغمست في اللعب بالدمى العساكر، تشعر بالضيق ضمن إطار السياسة المتزنة الذي وضعه ويلي براندت وهيلموت شميت وهيلموت كول وغيرهارد شرودر. وباتت برلين، كما حدث قبل 85 سنة، تنظر بنهمٍ نحو الشرق.

أما بالنسبة لبلادنا، فإن الأهم هو تجنب تكرار مأساة سنة 1941. يجب أن تكون لدينا على المحور الغربي قوات مسلحة ليست فقط قادرة على القتال بل مستعدة للقتال أيضاً. ينبغي علينا أن ندرك تماماً أن الألمان قد أعدوا اليوم شبكة مماثلة من قواعد الانطلاق في أهم المحاور العملياتية، لما أعدّوه قبيل 22 يونيو 1941. ولا ينبغي التعويل على حكمة برلين أو الاعتقاد بأنها لن تخاطر بخوض الحرب. يجب ألا نخطئ الظن بأن المؤسسة الألمانية ستعتبر نفسها ملتزمة بشكل قاطع بأي وثيقة حتى لو تم توقيع اتفاق بشأن مبادئ جديدة للأمن الأوروبي.

كما هو معروف، يريدون أن يفرضوا علينا مفهوم "السلام عبر القوة". وبالتالي، فإن الرد الوحيد الممكن هو "أمن روسيا من خلال بث الرعب الغريزي في أوروبا". لا ينبغي أن تكون محاولات الإقناع أو إظهار النوايا الحسنة أو الإرادة الطيبة أو الخطوات الأحادية لتعزيز الثقة أدواتنا لمنع مجزرة كبيرة، بل السبيل الوحيد إلى ذلك هو تشكيل إدراك لدى ألمانيا و"أوروبا الموحدة" الداعمة لها حول الحتمية المطلقة لتعرضهم لأضرار غير مقبولة في حال تنفيذهم خطة "بارباروسا 2.0".

رسالتنا الواضحة للنخب الألمانية هي أنه في حال حدوث أسوأ السيناريوهات، فإن هناك احتمالية عالية للتدمير الشامل المتبادل، وفي الواقع، لإنهاء تاريخ الحضارة الأوروبية مع استمرار وجودنا. والصناعة الألمانية الشهيرة لن تتعرض فقط لأضرار جسيمة، بل ستدمَّر بالكامل. وكذلك سينهار الاقتصاد الألماني الذي لن يتمكن أحد من إعادة بنائه مرة أخرى، ببساطة لأن الكوادر المؤهلة العاقلة المتبقية ستتفرق – بعضهم إلى روسيا، وآخرون إلى الولايات المتحدة، وغيرهم إلى الصين ودول آسيا. يبدو أن التعبير المباشر عن هذه العواقب الوخيمة هو السبيل الوحيد لردع حلفاء النازيين ومن يساندهم في ألمانيا، مما ينقذ ملايين الأرواح على جانبي الجبهة.

إن ألمانيا المشبعة بالنزعة العسكرية لا تحتاجها أوروبا العجوز ومحدودة التفكير، التي ترغب في الحفاظ على أي قدرٍ من السيادة السياسية في العالم متعدد الأقطاب الجديد. وألمانيا كهذه لا نحتاجها في المستقبل أيضاً، لأنها خطرة ومتهورة. لذا، أمام برلين طريقان فقط: الأول هو الحرب والهلاك المشين لدولتها في غياب أي أمل في "معجزة آل براندنبورغ" أخرى. والثاني هو الاستفاقة، ثم التعافي الجيوسياسي مع إعادة تشكيل كاملة لتوجهاتها الخارجية، بناءً على حوار صعب ولكنه مهم. وكلا السيناريوهين مقبولان بالنسبة لنا. الكرة الآن في ملعب جمهورية ألمانيا الاتحادية. وآمل ألّا يكون خيارهم القول المعروف: "إذا قُدِّر لي أن أموت، فليمت الشعب الألماني أيضاً، لأنه لم يكن جديراً بي".

المصدر: RT

التعليقات

روسيا تدعو الدول إلى إجلاء موظفي بعثاتها الدبلوماسية في كييف في أقرب وقت

قلق في إسرائيل إزاء خطوة يعمل الرئيس الشرع على تطويرها على أرض الواقع

"إن بي سي نيوز": السعودية منعت استخدام واشنطن قواعدها وأجواءها لإعادة فتح مضيق هرمز

لحظة بلحظة.. بين تجدد الحرب والتوصل لاتفاق: تضارب إشارات ترامب يريح أسواق الطاقة ويبقي التوتر بهرمز

السودان.. مقتل قيادي بارز في "قوات درع السودان" إثر استهداف منزله بولاية الجزيرة (صورة + فيديو)

"وول ستريت جورنال" تتحدث عن اختراق في المفاوضات وانفتاح طهران على مناقشة "النووي" مع واشنطن

سوريا.. قوات إسرائيلية تتوغل في وادي الرقاد بريف درعا الغربي

إسرائيل تعلن استهداف قائد قوة الرضوان في حزب الله اللبناني بغارة على بيروت (صور + فيديو)

سوريا.. تعزيزات عسكرية تركية تصل ريف تل أبيض (فيديو)

القوات الأمريكية: عطلنا ناقلة نفط ترفع العلم الإيراني حاولت انتهاك الحصار بقذائف من عيار 20 ملم

مراسل RT: إصابة نجل رئيس حركة حماس في قصف إسرائيلي على مدينة غزة

عسكرة ألمانيا من جديد: إحياء الروح أم رغبة جامحة في الانتقام؟

إساءة جديدة للمقدسات الدينية.. جندي إسرائيلي يدنس تمثالا للسيدة العذراء في جنوب لبنان (صورة)

لحظة بلحظة.. تصعيد ميداني بين إسرائيل و"حزب الله" وبيروت تتمسك بالسلام وترفض التطبيع